محمود ماضي
70
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
يقول الشيخ محمد عبده عند ( آية 23 : البقرة ) : ( فهذا القضاء الحاكم منه بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشريا ، ومن الصعب بل من المتعذر أن يصدر عن عاقل التزم كالذي التزمه وشرط كالذي شرطه على نفسه ، لغلبة الظن عند من له شئ من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته وإنما ذلك هو اللّه المتكلم ، والعليم الخبير ، هو الناطق على لسانه - أي محمد - وقد أحاط علمه بقصور جميع القوى من تناول ما استنهضهم له وبلوغ ما حثهم عليه » « 1 » . نخلص من ذلك إلى أنهم حاولوا فعجزوا « وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز والتوقيف على النقص ثم لا يبذلون مجهودهم ولا يخرجون مكنونهم وهم أشد خلق اللّه أنفة وأفرط حمية وأطلبه بطائله وقد سمعوه في كل منهل » « 2 » . فمع أن الكلام كان سيد عملهم فقد عجزوا عن المعارضة مع بذلهم المحاولة تلو الأخرى . وهو كذلك معجز أي لتركهم المعارضة مع التحدي . ننتهى مما سبق إلى أن القرآن الكريم لم يلتزم شيئا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم ورجزهم وإشعارهم بل جاء على النمط الفطري والأسلوب العادي الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله فثبت أنه معجز ببلاغته وفصاحته وحسن نظمه ، الذي هو أم إعجازه والقانون الذي وقع عليه التحدي . فالرسول « صلّى اللّه عليه وسلّم » تحداهم الإتيان بمثله . وكيف يتصور أن يكون الفصحاء والبلغاء من العرب كثيرين مشهورين بالعصبية والحمية فيتركون الأمر الأسهل الذي هو الإتيان بقدر أقصر سورة ويختارون الأصعب مثل الحرب وسفك الدماء والسبي . الجانب الثاني : الإخبار عن الغيوب . رأينا أن الإعجاز القرآني لا يرد إلى بلاغته فقط بل أن هناك وجوها أخرى منها : ما تضمنه من الأخبار عما سيكون في مستقبل الزمان ، وأخبار الأمم السابقة ، وكل ما بعد عن إدراك الإنسان فهو غيب ، حتى النفس : خلجاتها ونزعاتها فهي غيب أيضا . فالدليل على كون القرآن معجز إنما هو كما يقول الإمام ابن تيمية : ليس من جهة فصاحته وبلاغته فقط ، أو نظمه وأسلوبه فقط ، ولا من جهة اخباره بالغيب
--> ( 1 ) - محمد عبده : « رسالة التوحيد ص 170 ج 1 المنار بمصر . ( 2 ) - الجاحظ : حجج النبوة بهامش الكامل للمبرد ج 2 ص 130 .